منتديات عشاق السيد حسن نصر الله


    الأستاذ بناهيان: الاختلاف المختلق بين المثالية والواقعية

    شاطر
    avatar
    بسيجي
    عضو خبير جداً
    عضو خبير جداً

    ذكر
    عدد الرسائل : 446
    العمر : 35
    مزاجي :
    المهنة :
    الهواية :
    نقاط : 18166
    تاريخ التسجيل : 31/01/2013

    الأستاذ بناهيان: الاختلاف المختلق بين المثالية والواقعية

    مُساهمة من طرف بسيجي في السبت أبريل 11, 2015 9:56 am

    في مجلس عزاء السيدة الزهراء(ع) في مكتب سماحة السيد القائد


    مشروح محاضرة سماحة الأستاذ بناهيان ألقاها في الليلة الثالثة من مجلس عزاء السيدة الزهراء(س) الذي أقامه سماحة السيد القائد الإمام الخامنئي (دام ظله الوارف) في مكتبه

    المكان: حسينية الإمام الخميني(ره)
    الزمان: 4/ جمادى الثاني/ 1436

    [ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]

    هل لابدّ لنا من استخدام نفس الأدبيّات القديمة حول الواقعيّة والمثالية؟

    منذ زمن طويل وهناك خلافات بين رؤيتين، إمّا هي موجودة واقعا أو هناك من يحاول التأكيد عليها. وهي عبارة عن خلاف بين رؤيتين إلى مسار الحياة، اللتين تنظر كل منهما بطريقة مختلفة عن الأخرى إلى مختلف قضايا الحياة من إدارة المجتمع وحتى إدارة الحياة الفردية. وقد اشتهرت إحدى هاتين النظرتين بالنظرة الواقعيّة والأخرى بالنظرة المثاليّة. ونحن لا نرى فارقا بين هاتين النظرتين بل نعتقد وبالتأكيد أنهما تجتمعان معا. ولكن قد حدثت في زماننا بعض الأحداث وتبلورت في أوساطنا بعض الظروف التي تقتضي منّا أن نعيد النظر في هاتين النظرتين. هل نحن مضظرّون إلى استخدام نفس الأدبيات القديمة حول الواقعيّة والمثاليّة؟

    أفضل طريق للتهرّب من المُثُل، هو التمسّك بشعار الواقعيّة

    إن بعض الجماعات يعتبرون أنفسهم واقعيّين، فهؤلاء يحصون قدرات العدو وتجهيزاته، وكذلك يدرسون إمكانات جبهة الداخل ثم يخرجون بمعادلات ونتائج. كان الواقعيّون على مرّ التاريخ أو على الأقل طوال تاريخنا المعاصر يتظاهرون ببعض الخصال، فتارة كانوا يتظاهرون بالشفقة وتارة كانوا يتظاهرون بكونهم مثقّفين وحتى قد تظاهروا أحيانا بالتديّن وأخذوا يتحدثون عن الأحكام الدينية والمعارف الإسلامية. ومعلوم أن في أي مجال يصبّ نشاط هؤلاء الواقعيين؛ في الابتعاد عن المثالية والنأي عن مطالبة تحقيق المثل.
    في الواقع إن أفضل طريق للتهرّب من المثل هو التمسّك بشعار الواقعيّة فإنه ينطوي على مكر لطيف. ومن جانب آخر قد تهمّش المثالية وتبقى غريبة، خاصّة فيما إذا كان بعض المنادين بالمُثل وأثناء حديثهم عن أهدافهم ومثلهم لا يقدرون على بيان هذه الحقيقة وهي أن طريق الوصول إلى هذه المثل هي ليست سوى مجموعة من الأمور الواقعيّة التي أمامنا. مضافا إلى أنه في بعض الأحيان قد يطرح بعض المثاليّين مثلهم وأهدافهم بدون أخذ الأمر الواقع بعين الاعتبار كما قد يتبلور هذا الأسلوب في الأسس النظريّة لبعض الأشخاص.

    ليس الاختلاف بين الواقعيّة والمثاليّة اختلافا جادّا/ لا توجد مثاليّة منفكّة عن الواقعية

    طيب، الطريق السليم في المقارنة بين الواقعية والمثاليّة هو أن يجمع الإنسان بينهما؛ يعني أن يأخذ الأمر الواقع بعين الاعتبار ويلاحظ المثل في نفس الوقت. ولكن هل هذا الاختلاف هو اختلاف جدّي واقعا؟ أو أنها من قبيل الكثير من المصطلحات المختلقة الخادعة التي تضيّعنا في متاهات الألفاظ والاصطلاحات ولا يمكن التفكيك بين «المثل» و «الأمر الواقع»؟ فيا ترى من الذي يفترض «المثل» شيئا غير الأهداف التي رسمت بنظرة واقعية؟ ومن يزعم أن لدينا قيما ومثلا تفرض علينا الخروج عن نطاق الأمر الواقع؟
    حقيقة الأمر هي أنه لا توجد مثاليّة منفكّة عن الواقعيّة؛ ولكن في المثاليّة يؤخذ الواقع كلّه بعين الاعتبار. في المثالية الصّحيحة تلاحظ سلسلة الواقعيّات من أوّل الأمر إلى حين انتهائها إلى المثل. لذلك كيف يمكن القول بأنه «كان الإمام الخميني مثاليّا غير واقعيّ»؟

    قد يقتضي الأمر أن نحدث تغييرا في أدبياتنا الثوريّة

    قد يقتضي الأمر اليوم أن نحدث تغييرا في أدبياتنا الثوريّة، ولعلّها تمهّد الأرضيّة للمزيد من التعاطف والانسجام. فإذا قال أحد أن طبقة المثقفين المنوّرين واقعيّون، نقول له: جيّد جدّا، إن ما نتوقّعه نحن من المتديّنين المثاليّين هو هذه الواقعيّة المصحوبة بالتنوّر المتحرّر. أنتم تعلمون أن في الحرب الناعمة، تقوم الأدبيات مقام السلاح. لذلك أفضل طريق لإنهاء الحروب غير المفيدة والنزاعات المضرّة والفارغة هو نزع السلاح من يد العدوّ.

    لقد كنّا في أوائل الثورة مضطرّين إلى الحديث عن المثل، إذ كان تبيين بعض الحقائق صعبا

    في أوائل الثورة كان لابدّ لنا من الحديث عن المثل، إذ كان تبيين بعض الحقائق لذوي الأذهان البسيطة والرؤى السطحية والسذّج من الناس أمرا عسيرا. أمّا الآن فليس كذلك.
    كان بعض الناس في ما مضى يكادون أن يفدوا أنفسهم في سبيل الديمقراطية الليبرالية، وكانوا يزعمون أنها تحفة من التحفيّات الثمينة التي صنعها عقل الإنسان! ولذلك في سبيل الوقوف أمام بعض أضرار الديمقراطيّة الليبراليّة كان لابدّ لنا من صرف شيء من مثلنا وإيماننا واستخدام المفاهيم الدينية وأن نقول مثلا: «لا تحذفوا الدين فإن له شأنه وموقعه في المجتمع». أما الآن وفي عالمنا المعاصر هذا، أي عاقل يهوى الديمقراطية الليبرالية بعد؟ وأي إنسان عاقل لا يعترف للدين بكونه صاحب قوّة وقيمة وعقلانيّة؟! حتى لو كان لا دينيا.

    كان الحديث عن بيت المقدس سابقا يشمّ منه رائحة المثاليّة، أما اليوم فقد أصبح مصلحة وطنية

    لقد تغيّر عالمنا فلم يعد كما كان. كنا سابقا إذا تحدّثنا عن بيت المقدس، يشمّ منه رائحة المثاليّة، أمّا اليوم فليس كذلك. فقد أصبحنا اليوم نستطيع أن نتحدّث عن القدس على أساس المعطيات الواقعيّة والمصالح الوطنيّة، وهذا ما تشير إليه أوضاع المنطقة. لم يعد يستطيع أحد مخالفي الثورة الجَهَلة أن يقدّم تحليلا واقعيّا ومن خلال المعطيات الواقعيّة يخرج بنتيجة ضرورة «عدم التفاعل مع القدس»! إذا أراد الإنسان أن ينظر بنظرة واقعيّة، يجد أن قضيّة القدس قد خرجت من كونها شعارا مثاليّا وتحوّلت إلى مصلحة وطنيّة! لقد ارتبطت شعوب المنطقة جميعا بهذه القضيّة ولا شك في أن مصالحنا لا تنفكّ عن مصالح المنطقة. لقد سارت أوضاع المنطقة وأحداثها لصالح الرؤية المثاليّة ومثل الثورة، لتكشف مدى واقعيّة مثلنا.

    يتبع إن شاء الله...

    avatar
    بسيجي
    عضو خبير جداً
    عضو خبير جداً

    ذكر
    عدد الرسائل : 446
    العمر : 35
    مزاجي :
    المهنة :
    الهواية :
    نقاط : 18166
    تاريخ التسجيل : 31/01/2013

    الاختلاف المختلق بين المثالية والواقعية 2

    مُساهمة من طرف بسيجي في الثلاثاء أبريل 14, 2015 8:37 am

    كنّا في ما مضى لا نقدر على تبيين واقعيّة قيمنا جيّدا، أما الآن فأصبحنا قادرين على ذلك

    بإمكاننا اليوم أن نحدث تغييرا في أدبياتنا. كنّا في زمنٍ بحاجة ماسّة إلى الحديث عن القيم، وقد يكون ذلك بسبب عجزنا عن تبيين واقعيّة قيمنا جيّدا، أما الآن فأصبحنا قادرين على ذلك. حتى إذا أردنا أن نتحدث عن قيمة الحجاب، بإمكاننا أن ننطلق في الحديث بنظرة واقعيّة، كما أن القرآن الكريم قد سلك نفس هذا المنهج.
    يشعر الإنسان أحيانا أنه عندما نتحدث عن القيم بأدبيات مثاليّة، فإن ذلك بسبب كوننا لم نتفهّم قيمنا جيّدا. فعلى سبيل المثال عندما يتحدث القرآن عن الحجاب، يوصي النساء بحفظ حجابهنّ حفاظا عليهن وصيانة لهنّ من الأذى؛ (يُدْنینَ عَلَیْهِنَّ مِنْ جَلاَبِیبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى‏ أَنْ یُعْرَفْنَ فَلا یُؤْذَیْن)[أحزاب/59] وهذه نظرة واقعيّة إلى موضوع الحجاب.
    لابدّ لنا أن نمسك بزمام إدارة أدبيات مجتمعنا، فلا نسمح بإطلاق أي اسم علينا، ولا نقنع بأي مصطلح وضعوه علينا، أو اسم احتكره الآخرون لأنفسهم. فأفضل طريق هو أن ننزع السلاح من يد الخصم ونستخدمه ضده.
    أكرر مرّة أخرى: إن مقتضى الظروف الراهنة هي أن نتجّه صوب هذه الشفافيّة عن طريق النظرة الواقعيّة، ثم لا نبقي سلاحا بيد أحد ليشهره ضدّ المثل.

    واقعية الإمام الخميني(قدس سره) في عام 1980: لقد امتزجت اليوم مصالح جميع البلدان الإسلامية مع بعض!/ أي قضية تحدث اليوم في إحدى مناطق العالم هي قضية العالم جميعا لا قضية تلك المنطقة فحسب!

    اسمحوا لي أن أقرأ لكم كلمتين من كلمات السيد الإمام الخميني(ره) لكي تروا كيف كان الإمام ومنذ اليوم الأول يبيّن مُثُل الثورة بنظرة واقعيّة، مع أن التبيين الواقعي لمُثًل الثورة كان أمرا عسيرا يومذاك. لقد قال الإمام في عام 1980: «يجب على المسلمين أن يستيقظوا. يجب عليهم أن يكونوا نبهين إذ ليس اليوم كالأمس. وليس عصرنا هذا كالعصور الماضية، التي تحرز كل طائفة مصالحها في منطقتها [وبمعزل عن باقي الطوائف].» [صحيفة الإمام(الفارسية)/ ج13/ ص133] وكذلك قال في مقطع آخر من كلمته: «أي قضيّة تحدث اليوم في إحدى مناطق العالم هي قضيّة العالم جميعا لا قضيّة تلك المنطقة فحسب. لقد امتزجت اليوم مصالح جميع البلدان الإسلاميّة بعضها مع بعض. وإن مصالح إيران الإسلامية مرتبطة بمصالح سائر البلدان الإسلامية.» [صحيفة الإمام(الفارسية)/ ج13/ ص134]. وأنا أقول للسيد الإمام(ره): سيدنا نحن في ذلك اليوم لم نكن نعي كلمتك هذه حين قلت: «لقد امتزجت مصالح جميع البلدان الإسلاميّة بعضها مع بعض.» أما اليوم فندركها.
    إن هؤلاء الإرهابيين الذين يقومون بإبادة الشعوب المظلومة في منطقتنا، هم بصدد إبادتنا أيضا، فلا فرق بيننا وبينهم، فلابدّ لنا جميعا أن ندافع عن المظلومين وها نحن نرى بوادر تشكيل الجيش الإسلامي المشترك لمواجهة الإرهابيّين. هذه هي النظرة الواقعيّة التي كان يحظى بها الإمام الراحل. وهذا هو الإمام الذي كان ينادي بالمُثًل. فإن وسعة واقعيّته صنعت منه إنسانا مثاليّا.

    واقعيّة الإمام في الأعوام الـ 35 الماضية: إن سود أمريكا يتحملون الضرب والشتم بسبب هذه الصحوة!

    ولأقرأ كلمة أخرى للإمام الخميني(ره) في عام 1980. قال: «لقد أصبح الأمر بحيث نهض المستضعفون أمام المستكبرين، وقد استيقظوا. إن اليقظة لهي أول خطوة» [صحيفة الإمام(الفارسية)/ج12 /ص382]. انظروا متى قالها السيد الإمام! لقد كان ينظر الإمام في ذلك اليوم تفجّر بذور الصحوة في جوف الأرض وبوادر انبثاقها من التراب فأخذ يتحدث عن هذه الصحوة بقوّة وثقة وبنظرة واعية. فإنه في الواقع بدأ يبصّر الناس بما حدث في العالم فقال: «اليقظة هي الخطوة الأولى، الخطوة الأولى هي اليقظة. كما في السلوك العرفاني تمثّل اليقظة الخطوة الأولى. وكذلك في هذه الحركة التي هي حركة إلهيّة وعرفانيّة، اليقظة هي الخطوة الأولى، وقد استيقظت البلدان الإسلامية والشعوب المسلمة والشعوب المستضعفة في جميع أرجاء العالم. وإن سود أمريكا يتحمّلون الضرب والتشم بسبب هذه الصحوة». [المصدر نفسه]
    لقد التفت الإمام من ذلك اليوم إلى معاناة السود في أمريكا وها نحن نرى بوادر يقظتهم بعد مضي 35 عام من كلام الإمام. هذه هي الواقعيّة. لماذا نعتبر إنقاذ العالم من شرّ الظلم مثالا من المثل، حتى يستنكف بعض المتظاهرين بالواقعيّة عن هذا الأمر ويفصل مصالحنا عن مصالح أهل العالم عبر نظرة غير واقعيّة؟
    لا ينظر أعداؤنا بهذا الأسلوب، إذ أنهم يعرفون جيّدا أن مجرّد وجود الثورة الإسلاميّة تقضي على مصالحهم وتكسر هيمنة الاستكبار وتنقذ الشعوب في آخر المطاف. فلماذا لا ننظر نحن بهذه الطريقة؟ لقد صدق أعداؤنا إذ قالوا: «نفس وجودنا ينهي الاستكبار». وفعلاً؛ ما لم نقض على الاستكبار لا يمكن لنا السكون والهدوء، وكذلك لا نستطيع قبل القضاء على الاستكبار أن نحصل على الحد الأدنى من مصالحنا. هذا هو عين الواقع.

    كان حكم الإمام الخميني(ره) في هدر دم سلمان رشدي عين الواقعيّة

    عندما حكم الإمام الخميني(ره) بقتل سلمان رشدي، هل كان قد انطلق من الواقعيّة أم المثاليّة؟ على أساس أدقّ المحاسبات السياسية وبغض النظر عن الدين كان حكمه عين الواقعيّة! إذا كان من شأن الهويّة الإسلاميّة أن تكسب لنا عزّة في العالم، وإذا كانت العزّة الإسلامية جديرة بتأمين مصالحنا، عند ذلك ومن خلال المحاسبات السياسية البسيطة وعلى أساس العلوم السياسية البشرية التي لا علاقة لها بالوحي نستطيع أن نخرج بهذه النتيجة وهي أن يجب الدفاع عن حرمة نبي الإسلام بصفته أبرز إنسان يمنح الهويّة الإسلامية لأمة الإسلام، وذلك في سبيل تعزيز هذه الأمة وتقويتها في مقابل أعدائها. ولا داعي للإيمان بالإسلام وبالقرآن للوصلول إلى هذه النتيجة. بل إنما هي عين الواقعيّة. فلماذا نضعها في عداد المثاليّات؟! لا بأس أن نعتبرها مثالا ولكن يجب في نفس الوقت أن ننزع السلاح من يد خصمنا.
    إن كثيرا من الآيات القرآنية تتحدث عن فلسفة الأحكام من قبيل قوله تعالى: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِکُمْ وَ إِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) [الإسراء/7] وهذه هي النظرة الواقعيّة بعينها.

    يتبع إن شاء الله...
    avatar
    بسيجي
    عضو خبير جداً
    عضو خبير جداً

    ذكر
    عدد الرسائل : 446
    العمر : 35
    مزاجي :
    المهنة :
    الهواية :
    نقاط : 18166
    تاريخ التسجيل : 31/01/2013

    الاختلاف المختلق بين المثالية والواقعية 3

    مُساهمة من طرف بسيجي في السبت أبريل 18, 2015 9:46 am

    إن ديننا هو عين الواقعيّة

    أساسا ديننا هو عين الواقعيّة. فإذا تحدّثنا مع أهل العالم بهذا الخطاب، عند ذلك يهمّش الخطاب التكفيري الذي يستخدم الدين وبعض الرموز الدينية كغطاء لحياته المتحجّرة وغير العقلانية. إذ يرى الناس بعد ما قارنوا بين الدين الحنيف وبين الدين المنحرف الذي يدعو إليه التكفيريّون، أن الدين الحنيف دين عقلاني يدعو إلى التعقّل. ونحن قد دعينا 49 مرة في القرآن الكريم وبشتى الأساليب إلى التعقل. وإذا نرى القرآن قد استحقر الكافرين فذلك بسبب أنهم قوم لا يعقلون.
    هنا أنهي المقدّمة. وإن كان الحديث في هذا المجال كثير ذو شجون. نحن إذا استطعنا أن نتحدث مع أهل العالم بهذا الخطاب الواقعي، سوف ننتصر في الحرب الناعمة؛ هذه الحرب التي شنّها المستكبرون على جميع أبناء البشر لا علينا فحسب، إذ قد شنّوا حربا ناعمة على شباب شعوبهم أكثر من شبابنا.
    لقد سافرت قبل حوالي 15 سنة إلى إحدى البلدان الغربيّة. فكنت ضيفا عند أحد أساتذة الجامعة والذي كان ممثّل إيران في التعليم العالي وكذلك كان قد ترأس إحدى جامعات طهران سنين عديدة. فقال لي هذا الأستاذ: «كنت أعتقد سابقا أن الشباب الغربي مولعون بالفسق والفجور، ولذلك فتح رؤساؤهم لهم المجال ليفعلوا ما يشاءون. ولكني الآن وبعد مضيّ سنين من إقامتي في هذا البلد وأنا أشاهد قنواتهم التلفزيونية، اكتشفت أن الأمر ليس كما كنت أراه سابقا. بل إن رؤساءهم يصرفون الأموال في سبيل تلقين شبابهم وجرّهم إلى الفساد».

    كانت رسالة قائد الثورة الإسلامية إلى الشباب الغربي، دعوة إلى العقلانيّة لا حتى دعوة إلى الإيمان بالدين

    لم يشنّ المستكبرون الحرب الناعمة ضدّنا فقط، لذلك ينبغي لنا أن نوقظ الشباب الغربي. أنا أعتقد أنّ رسالة حبيب قلوبنا (سماحة ولي أمر المسلمين الإمام الخامنئي دام ظله) إلى الشباب الأوروبّي والأمريكي كانت دعوة إلى العقلانيّة لا حتى دعوة إلى الإيمان بالدّين. العقلانيّة التي تفرض عليكم إذا أردتم الاستطلاع عن دين ما، أن تراجعوا مصادره الرئيسة، فإنها توصية إلى سلوك عقلاني. يعني إذا أردتم أن تتخذوا انطباعا خاصّا عن هذا الدين، فراجعوا القرآن بأنفسكم ثمّ اخرجوا بأيّ نتيجة شئتم. وهذه كلمة ودعوة عقلانيّة.
    نحن إذا تحدّثنا بهذا الخطاب في مجتمعنا سوف تزول كثير من الاختلافات. من هم الذين كانوا يدافعون عن الديمقراطيّة سابقا، وقد أصبحوا يستحيون اليوم من ذكر اسم الديمقراطيّة؟! وما هي الإيجابيات التي كانوا يبحثون عنها في الحكومة الديمقراطيّة؟ كل تلك الفوائد ـ لو كانت موجودة في الديمقراطيّة واقعا ـ فهي متاحة بشكل أفضل في الحكومة الولائيّة. ومن هم الذين يشعرون بتخوّف من حاكميّة الدين؟ ومن ماذا يخشون؟ نحن نستطيع أن نطمئنهم ونزيل خوفهم عبر النظرة الواقعيّة وبعد ما حصّلنا على تجربة تاريخيّة كبيرة في حكومتنا، فهي تسنح لنا القدرة على إزالة العديد من المخاوف والشبهات. كما أن القرآن الكريم قد دعانا كرارا إلى كسب التجارب والسير في التجارب التاريخية.

    إن رؤيتنا الثورية والمثالية واقعيّة تماما

    ما أردت أن أؤكد عليه في هذه المقدمة هي أن ديننا يدعو إلى الواقعيّة ولا ينبغي لأحد اليوم أن يحدث شقاقا في أفكار الشعب تحت شعار الواقعيّة زاعما أنه قد حصل على تحفة ثمينة في مقابل النظرة الدينية! لأن رؤيتنا الدينيّة والثورية والمثالية، واقعيّة تماماً ومترعة بالرؤية الواقعيّة، ولكن لابدّ من ملاحظة الواقع بأجمعه.

    من الذي يدير العالم وكيف؟

    أنا الآن وفي هذا المجلس الشريف بصدد الحديث عن أحد هذه الواقعيّات. فننطلق في ذكره من هذا السؤال وهو أنه من الذي يدير العالم وكيف؟ لا أريد أن أتحدث بالخطاب المثالي، ولا الخطاب القيمي، ولا الخطاب الديني، ولا حتى الخطاب الثوري. ولكني أريد أن أتحدّث عن الواقع. مثلا انظروا إلى رؤية السيد الإمام العرفانية؛ كم هي رؤية واقعيّة!
    بودّي أن أقدّم لكم تقريرا عن كلمات السيد الإمام(ره) ـ والتي أثارت إعجابي كثيرا ـ لتطلعوا على هذه الكلمات العميقة والإنسانية والواقعيّة وتحللوها كيف ما شئتم. أنا أريد أن أقول أن رؤية الإمام هذه التي تبلورت في هذه الكلمات هي رؤية واقعيّة مع كونها رؤية عرفانيّة. بعد ذلك يمكن القول بأن من لا يتبنّى رؤية الإمام، فهو لا يحظى بعقلانيّة وبمعلومات كافية حتى من ناحية الاجتماية والسياسيّة.

    القاعدة الواقعيّة التي أكد عليها الإمام 26 مرة خلال ثلاث سنوات

    من يدير العالم؟ اسمحوا لي أن أقدّم لكم رؤية الإمام الخميني(ره). بعد ما رجع الإمام الخميني(ره) من باريس، حكى قصّة ثم كرّرها في السنة الأولى 11 مرّة. (طبعا قد حكى الإمام ـ حسب قوله ـ هذه القصّة في باريس كرارا وقد وردت إحدى حكاياته في صحيفة الإمام) يعني قد كرّر الإمام حكاية هذه القصّة التي سوف أنقلها لكم. ثم استخرج الإمام قاعدة اجتماعية من هذه القصّة وبعد ذلك أشار إلى هذه القاعدة 26 مرّة في السنين الأولى من الثورة.
    ما هذا المضمون الذي استحقّ التكرار حوالي عشر مرّات وخلال مدّة قصيرة؟ وكأن الإمام كان مصرّا على تكرار هذه القضيّة في جميع خطاباته. وما هذه القاعدة الواقعيّة التي أكّدها وكرّرها الإمام 26 مرّة في السنين الأولى من انتصار الثورة وخلال ثلاث سنين؟

    يتبع إن شاء الله...


      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين نوفمبر 20, 2017 12:06 am